عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
93
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
الفصل الثامن في سر جعل قرة عينه في الصلاة بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي صلى على الصفوة من عباده الكرام وحياهم بتحياته والسلام ، فجعلهم من أفضل الفرق وهداهم إلى أقرب الطرق ، ظهر لهم في الكاف والواو والنون ، وتجلى لهم في كل حركة وسكون ، فاستوت عندهم به الأماكن وتساوى لديهم عذر المتحرك والساكن ، رأوا فعله في الوجود فلم يسندوا حقيقة عمل بعدها إلى موجود ، تصور كل متحرك في الوجود عندهم كالقلم فاتخذوا نسبة وجود الفعل إلى الفاعل كنسبة العدم ، أنشد لسان حالهم بلطيف مقالهم : لا فعل لي إن قلت إني فاعل * والقول لا قولي إذا أنا قائل ما في الوجود جميعه من فاعل * شيئا لأنك فعله والفاعل كذب الذي هو مدع فعلا له * بالانفراد فإنه بك جاهل أنت الذي تعطي وتمنع في الورى * حقا وتقطع من تشاء وتواصل فعل البرية عين فعلك سيدي * وهم كالآلات وأنت العامل تفرق القوم عند هذا الشهود فسلك كل طريقة في الوجود ، علما بأن الآخذ بالنواصي هو فاعل الطاعات والمعاصي ، فشتان حالتي العبدين في العلمين وشبيهان حركاتهما في الحالتين ، ليس لهذا بفعل الطاعة من عمل ولا لذاك فعل بإتيان الخطأ والخطل ، لكنه جعل المطيع ممن شمله الفضل ، وصير العاصي ممن قضى عليه العدل فبفضله فاز المطيع الآيب وبعدله هلك العاصي الخائب ، وهذا المعنى قول ذي المتعالي هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ، لكنما المحب العاشق والمستهام الموافق يقول كلما صدر من المحبوب فهو غاية المطلوب ونهاية المقصود والمرغوب .